أخبار

ما وراء الزجاج:رفع العقوبات عن إريتريا: ردع إثيوبيا قبل تأمين البحر الأحمر

من العقوبات إلى التحالف: رسالة واشنطن الحاسمة إلى أديس أبابا

 

بقلم: هجو أحمد محمد

لخمس سنوات كانت إريتريا هي الدولة المعاقبة والمعزولة ولعامين كان هناك من يراهن على أن تستخدم (إثيوبيا) لفتح جبهة (شرقية) لتطويق (الخرطوم) بعد تحييد (أسمرا) ولكن وفجأة وفي أسبوع واحد انقلبت المشهد الجيوسياسي وجيش السودان يتقدم في كردفان محققا انتصارات كبري وأسمرا تخرج من قائمة العقوبات وأديس أبابا تجد نفسها وحيدة فما الذي حدث في واشنطن؟

 

الذي حدث أن وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت يوم الجمعة 19 سبتمبر رفع العقوبات المفروضة منذ 2021 على قوات الدفاع الإريترية والجبهة الشعبية الحاكمة وكياناتها الاقتصادية والقرار لم يكن إجراءا قانونياً مجرداًزبل كان إعلانا عن فشل رهانين هما رهان فتح (الجبهة الشرقية) ضد السودان ورهان الاعتماد على (إثيوبيا) كضامن لأمن البحر الأحمر.

*انهيار رهان الجبهة الشرقية*

الرهان على تطويق الدولة السودانية من الشرق انهار لثلاثة أسباب متزامنة رفض إريتريا أن تكون منصة للعدوان واعتبار مصر أن أمن السودان جزء لا يتجزأ من أمنها القومي وتأمين الجيش السوداني لحدوده الشرقية.

فقد أعلن الجيش السوداني في ذات أسبوع القرار الأمريكي تحوله الاستراتيجي الأكبر منذ 2023 في محور كردفان بتحرير أجزاء واسعة في المحور شملت أكثر من 11 منطقة بعد ثلاث سنوات من سيطرة المليشيا وعسكرياً هذا يعني قطع طرق الإمداد بين كردفان ودارفور وتأمين طريق بارا – أم درمان وسياسياً يعني أن مشروع إسقاط الدولة عبر الحرب والحصار قد فشل.

*أسمرة تقول: لم نتغير أنتم من غيرتم حساباتكم*

الموقف الإريتري الرسمي يقدم رواية واحدة متماسكة وهي أن القرار ليس (مكافأة) بل تصحيح لمسار خاطئ فالعقوبات أحادية الجانب التي فرضتها إدارة بايدن لم تكن مبررة بأي معايير وألحقت بالبلاد أضراراً جسيمة.

وبالنسبة لأسمرة فإن إريتريا لم تقدم أي تنازل منذ 1993 والذي تغير هو واشنطن التي أدركت أخيراً أن دولة تملك (1200 كلم) على البحر الأحمر وتطل مباشرة على باب المندب لا يمكن عزلها.

 

*جوهر القرار ليس في أسمرة بل في أديس أبابا*

إثيوبيا اليوم تمثل مصدر قلق لواشنطن من زاويتين داخلياً فشلت في إدارة تعددها العرقي وانتقلت من حرب (تيغراي) إلى تمردات مفتوحة في (أمهرة وأورومو) وخارجياً تورطت في دعم المليشيا في حربها ضد الدولة السودانية.

هذا التورط لم يضعف السودان بل ولد تحالف ردع إقليمي صلب يضم السودان وإريتريا ومصر وهو تحالف تلتقي عنده مصالح حقيقية مصر تريد منع أي منفذ (بحري إثيوبي) يهدد قناة السويس والسودان يريد تأمين عمقه الشرقي وإريتريا تريد كسر عزلتها.

 

وبرفع العقوبات عن أسمرة فإن واشنطن تقول لأديس أبابا ضمنياً لدينا الآن مصلحة مباشرة مع إريتريا وساحل (عصب) لم يعد متاحاً للمغامرة كما يخطط آبي أحمد وهذه هي الرسالة الحاسمة.

 

 

*منطق البنتاغون*

 

هذا التحول يفسره مسؤولون أمريكيون تحدثوا لصحيفة (وول ستريت جورنال) بقولهم: (الوضع الحالي من العقوبات والحد الأدنى من التعامل مع إريتريا لا يعمل بفعالية والبحر الأحمر مهم جداً لدرجة لا يمكن معها عدم المحاولة.

وما جعل البحر الأحمر مهماً بهذا الشكل هو التزامن الخطير بين تهديد إيران بإغلاق (مضيق هرمز) وتهديد (الحوثي) لباب المندب لدرجة أن حاملة الطائرات جورج بوش اضطرت للدوران حول قارة أفريقيا.

وهذا ما يفسر تعليق المحلل الأمريكي (كاميرون هدسون) : (إريتريا لم تفعل أي شيء تستحق عليه رفع العقوبات) فالقرار بمنطق (الخارجية) لا يفهم لكنه بمنطق (البنتاغون) واضح وهو أن ساحل إريتريا (فراغ استراتيجي) والفراغ في البحر الأحمر إن لم تملأه واشنطن ستملأه موسكو أو بكين.

 

ما فعلته واشنطن هو تثبيت رسمي لحلف الأمر الواقع المصري – السوداني – الإريتري. ورفع العقوبات عن إريتريا ليس تبرئة لأسمرة بقدر ما هو رسالة ردع استباقية لأديس أبابا، واعتراف بأن من يسيطر على الأرض والسواحل هو من تتحالف معه واشنطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى